حيدر حب الله
289
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
ستجعل كل الجهد الدرائي غير مفيد ، كما صرّح الأخباريون بذلك ، وفق ما نقلناه سابقا . من هنا ، لاحظنا في المشهد الذي عرضناه حضور هذه المدارس الثلاث ، لقد كان هناك الوحيد البهبهاني ، وكاشف الغطاء ، والميرزا التبريزي ، والشيخ الأنصاري . . من مدرسة أصول الفقه ، كما كان هناك الملا علي كني ، وعبد اللّه المامقاني ممثّلين لعلم الرجال ، إلى جانب السيد حسن الصدر والمامقاني أيضا عن علم الدراية . . . وهذا ما يؤكّد طبيعة المواجهة . وإذا أردنا تحليل المواجهة التي قامت بها هذه المدارس الثلاث أمكننا إيجازها - اعتمادا على المشهد الذي قدّمناه - على الشكل التالي : أولا : النزعة العقلانية النقديّة للتراث ، فقد لاحظنا كيف سعى الطرف المناهض للأخبارية لقراءة الرجال والتاريخ قراءة أكثر نقدية من جهة وأبعد عن توظيف الأيديولوجيا في تصوّره من جهة أخرى ، لذلك نبش الأصوليون عيوب القدماء من الرواة والعلماء ، فتحدّثوا عن السهو والخطأ والخلل النسخي والكتابي ، وتناقض مواقف المتقدّمين ، واختلافهم فيما بينهم ، واختلاف الواحد منهم في رأيه عن ما سبق له من رأي ، واجتهاديّة استنتاجاتهم أحيانا لا حسيّتها و . . « 1 » كما استبعدت المدرسة الأصولية التوظيف الأيديولوجي ، فرفضت فكرة العرض على الإمام عليه السّلام ، كما رفضت روح فكرة قاعدة اللطف العقلية المنتجة كلاميا ، وهكذا لاحظنا هذا المسار العقلاني مقابل الأيديولوجي ، والنقدي مقابل الاستلابي التبجيلي في قراءة التراث بارزا أمام المدرسة الأخبارية . ولسنا نرتاب في أن الأخباريين كانوا رادة في نقد التراث ، حيث وجدنا لهم حملات نقدية عنيفة ومشاريع تعرية كاملة تعرّض لها جيل من العلماء على أيديهم ، بدءا من ابن إدريس والعلامة الحلّي وصولا إلى الشيخ حسن وصاحب المدارك . . . لكنّ الفارق أنّ التيار الأخباري اعتمد في نقده للتراث على التراث نفسه ، فقد كان الموروث القديم هو المعيار الذي وزن به الأخباري التراث المتأخر عليه ، وهذا معناه أنّ الأخباري كان مغرقا في التراثية حتّى عندما كان ينتقد هذا التراث نفسه ، أي أنّه كان ينتقد التراث على أرض تراثية ، لكن الحال لم تكن كذلك تماما مع المدرسة الأصولية والرجالية في بحث يقينيّة السنّة ، فمع اندراج الاتجاه الأصولي في منحى تبجيل التراث ، غير أن المعدّل النسبي لهذه النزعة التراثية كان أخفّ بكثير عما كان الحال عليه مع المدرسة الأخبارية ، ولهذا لاحظنا نقدا مركزا على مراحل التاريخ الأولى ، انطلاقا من معطيات عقلية وعقلانية مهما كان موقفنا منها .
--> ( 1 ) - لمزيد من الاطلاع راجع العدد الكبير من المفردات النقدية الجزئية التي سجلها الميرزا موسى التبريزي في أوثق الوسائل : 124 - 130 .